الشيخ محمد هادي معرفة

200

تلخيص التمهيد

فانظر إلى هذا السياق المثمر المورق ، وجودة هذا الرصف المعجب المونق ، كيف ترك جملة إلى جملة ، إرادة للإجمال بعده التفصيل ، من أجل إيثار البلاغة حتّى انتهى إلى خلاصها ، ودهن لبِّها ومصاصها ، وهو جوهر الآية ونظامها بأوجز عبارة وأخصرها ، وأظهر بلاغة وأبهرها . واعلم أنّ الذي فتق أكمام هذه اللطائف حتّى تفتّحت أَزرار أزهارها ، وتعانقت أغصانها ، وتأَنّقت أفنانها ، وتناسَبَت محاسنُ آثارها ، هو مقدّمة الآية وديباجتها ، فإنّه لمّا افتتح الكلام في هذه القصّة البديعة بالاختصار العجيب ، بأن طرح حرف النداء من قوله « ربِّ » وياء النفس من المضاف ، أشعر أوّلها بالغرض ، فلأجل تأسيس الكلام على الاختصار عقّبه بالاختصار والإجمال ، واكتفى بذكر هاتين الجملتين عمّا وراءهما من تلك المراتب العشر التي نبّهنا عليها والحمدُ للَّه « 1 » . أعجب آية باهرة قوله تعالى : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » « 2 » . قد مرّت عليك قصّة النفر من فصحاء قريش أزمعوا ليعارضوا القرآن ، فعكفوا على لطيف الغذاء من لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة ، حتّى بلغوا مجهودهم ، فإذا فوجئوا بنزول هذه الآية ، فطووا ما أزمعوا ويئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنّه لا يشبه كلام مخلوق . « 3 » الأمر الذي دعا بعلماء الأدب والبيان أن يجعلوا هذه الآية بالذات موضع دراستهم والبحث عن مزاياها الخارقة ، فخاضوا عبابها واستخرجوا لبابها في عرض عريض .

--> ( 1 ) . الطراز : ج 3 ص 416 - 420 . ( 2 ) . هود : 44 . ( 3 ) . العمدة لابن رشيق : ج 1 ص 211 ، وراجع الجزء الرابع من التمهيد : ص 187 .